محمد متولي الشعراوي

2987

تفسير الشعراوى

ولنلحظ أن تبييت اللّه خير . وقد أراد الحق سبحانه وتعالى أن يعلم أعداء الإسلام أنه بعد هذا التبييت لن تنالوا من رسولي ، لن تنالوا منه بكل وسائلكم سواء أكانت تعذيبا لقومه أم تبييتا له . وعلى الرغم من أنهم بيتوا كثيرا إلا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خرج من بيته في مكة إلى المدينة وهم نائمون : فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ( من الآية 9 سورة يس ) ونجد العجب في كف أيدي الكافرين عن رسول اللّه . فكل أجناس الوجود قد اشتركت في عملية كف أيدي الكافرين عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سواء أكانت تلك الأجناس جمادا أم نباتا أم حيوانا أم إنسانا ، نثر رسول اللّه التراب وهو جماد فأغشى به الكافرين ، وصار التراب من جنود اللّه . وها هي ذي أسماء بنت أبي بكر تحمل الطعام لهم في الغار وهي ترعى الغنم ، والأغنام تجد الحشائش فترعاها وتزيل الأثر الذي أحدثه ركب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . لقد اشترك النبات في كف أيدي الكافرين عن رسول اللّه ، وكذلك الأغنام وهي من الحيوان ، وكذلك فرس سراقة التي ساخت وغاصت قوائمها في الأرض ، ثم الحمامة التي بنت عشها على الغار ، وكذلك العنكبوت الذي بنى بيته على الغار ، ورضخت كل جنود اللّه لأمر اللّه فشاركت في عملية كف أيدي الكافرين عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . والأعجب من ذلك أن الحق سبحانه وتعالى قد كف أيدي الكافرين بالكافرين ، فالرسول الذي جاء ليهدى الخلق ويسير بهم إلى النور من الظلمات ، نجد الذي يهديه في طريقه إلى المدينة هو أحد الكفار . وهكذا نرى أن هداية المعاني تستخدم هداية المادة ، والرسول هو الحامل لهداية المعاني يستخدم هداية المادة ممثلة في ذلك الكافر . ونعرف أن من جنود الإسلام في دار الهجرة كان اليهود - برغم أنوفهم - ألم يقولوا للأوس والخزرج : سيأتي من بينكم نبي نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم ؟ فلما سمع الأوس والخزرج أن نبيا ظهر في مكة ، قالوا : هذا هو النبي الذي توعدتنا به